محمد أبو زهرة
2164
زهرة التفاسير
وإن نقطة الجهاد هي آخر الخط المستقيم ، وهي نهايته ، وفيها غايته ، وهي تحقيق مجتمع فاضل ، والثمرة المرجوة من هذا هو الفوز والفلاح ؛ ولذا قال سبحانه : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إن تلك هي الثمرة المرجوة لهذه النقط الثلاث التي تكون ذلك الخط المستقيم المنير ، وهو سبيل الله تعالى سبيل الفوز والنجاح ، وأطلق ، فلم يقيد بفلاح الدنيا ، ولا بفلاح الآخرة ؛ ولذلك كان شاملا ، فإن الإنسانية إذا تهذبت نفوس الآحاد فيها ، فاتخذت وقاية تمنعها من سخط الله تعالى ، وإذا اتجهت إلى طلب رضاه والعمل في طاعته سبحانه ، وصارت لا تعمل إلا لله تعالى وابتغاء مرضاته ، وجاهدت لإعلاء كلمة الحق في شتى نواحيه ، وترابطت برباط المودة والمحبة والعدل والفضيلة - إذا كانت الإنسانية كذلك علا ابن الأرض في هذه الأرض ، وعم الصلاح واندفع الفساد ، وتحققت خلافة الإنسان فيها . والرجاء في قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ من الناس لا من الله ، أي أن المؤمنين إذا اتقوا الله وطلبوا مرضاته وجاهدوا في سبيله ، كانت حالهم حال من يرجو الفوز ، بل إن عليهم أن يرجوه ، لأنهم ساروا في طريقه ، وأنه يتميز رجاء المؤمنين حينئذ عن خيبة الكافرين الذين لم يسيروا في ذلك الخط المستقيم ؛ ولذا ذكر سبحانه حالهم في مقابل حال المؤمنين ، فقال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً في هذا النص الكريم يبين سبحانه المقابلة بين جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين ، فالمؤمنون يفوزون في الدنيا بنعيم الاطمئنان ، والإحساس بالرضوان من الله تعالى ، ونصره سبحانه ، وتأييده ، وفوز الآخرة بالنعيم المقيم ، أما الكافرون فإنهم إن نالوا ظاهرا من الحياة الدنيا ، يستقبلهم في الآخرة عذاب مقيم دائم مستمر وإنه لو وزنت الدنيا بحذافيرها ، وكل ما فيها بعذاب يوم القيامة ، ما ساوت شيئا في جانبه وإنهم لو ملكوا الدنيا بما فيها ، وأرادوا أن يقدموه فداء لأنفسهم من عذاب القيامة ، ما قبل منهم ذلك ، بل يرد عليهم ما يقدمون .